ابن خلدون

214

تاريخ ابن خلدون

منها والتأثيم مدفوع عن الكل إجماعا وإن قلنا إن الكل حق وإن كل مجتهد مصيب فأحرى بنفي الخطأ والتأثيم وغاية الخلاف الذي بين الصحابة والتابعين أنه خلاف اجتهادي في مسائل دينية ظنية وهذا حكمه والذي وقع من ذلك في الاسلام إنما هو واقعة علي مع معاوية ومع الزبير وعائشة وطلحة وواقعة الحسين مع يزيد وواقعة ابن الزبير مع عبد الملك فاما واقعة علي فإن الناس كانوا عند مقتل عثمان مفترقين في الأمصار فلم يشهدوا بيعة علي والذين شهدوا فمنهم من بايع ومنهم من توقف حتى يجتمع الناس ويتفقوا على إمام كسعد وسعيد وابن عمر وأسامة بن زيد والمغيرة بن شعبة وعبد الله بن سلام وقدامة بن مظعون وأبي سعيد الخدري وكعب بن مالك والنعمان بن بشير وحسان بن ثابت ومسلمة بن مخلد وفضالة بن عبيد وأمثالهم من أكابر الصحابة والذين كانوا في الأمصار عدلوا عن بيعته أيضا إلى الطلب بدم عثمان وتركوا الامر فوضى حتى يكون شورى بين المسلمين لمن يولونه وظنوا بعلي هوادة في السكوت عن نصر عثمان من قاتله لا في الممالاة عليه فحاش لله من ذلك ولقد كان معاوية إذا صرح بملامته إنما يوجهها عليه في سكوته فقط ثم اختلفوا بعد ذلك فرأى علي أن بيعته قد انعقدت ولزمت من تأخر عنها باجتماع من اجتمع عليها بالمدينة دار النبي صلى الله عليه وسلم وموطن الصحابة وأرجأ الامر في المطالبة بدم عثمان إلى اجتماع الناس واتفاق الكلمة فيتمكن حينئذ من ذلك ورأى الآخرون أن بيعته لم تنعقد لافتراق الصحابة أهل الحل والعقد بالآفاق ولم يحضر إلا قليل ولا تكون البيعة إلا باتفاق أهل الحل والعقد ولا تلزم بعقد من تولاها من غيرهم أن من القليل منهم وإن المسلمين حينئذ فوضى فيطالبون أولا بدم عثمان ثم يجتمعون على إمام وذهب إلى هذا معاوية وعمرو بن العاص وأم المؤمنين عائشة والزبير وابنه عبد الله وطلحة وابنه محمد وسعد وسعيد والنعمان بن بشير ومعاوية بن خديج ومن كان على رأيهم من الصحابة الذين تخلفوا عن بيعة علي بالمدينة كما ذكرنا إلا أن أهل العصر الثاني من بعدهم اتفقوا على انعقاد بيعة علي ولزومها للمسلمين أجمعين وتصويب رأيه فيما ذهب إليه وتعيين الخطأ من جهة معاوية ومن كان على رأيه وخصوصا طلحة